الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

442

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

صبرهم عليها إلا لما هم فيه من مقام المشاهدة المذكورة ، وأيضا أنهم مشتغلون بعبادته تعالى بأكملها وأشدّها وأحمزها مع كثرة اشتغالهم وابتلائهم بأهل زمانهم من أهل الظلم والجور ، فكيف يمكن لأحد الثبات على تلك العبادات إلا بتلك الألطاف الموجبة لنشاطهم وأنسهم به تعالى ، ولا نرى ولا يرى في أحد حتى في الأنبياء والملائكة المقربين ما يكون فيهم من هذه المشاهدة الإلهية كما سيجيء إن شاء اللَّه بيانه عند قوله عليه السّلام : " آتاكم اللَّه ما لم يؤت أحدا من العالمين " . ومن هنا يتضح معنى قولهم عليهم السّلام في زيارتهم : " من أحبّكم فقد أحبّ اللَّه " فإن الظاهر فيهم ليس إلا ما آثار اللَّه تعالى ، فمحبتهم ليس إلا محبة تلك الآثار الإلهية ، فلا محالة من أحبّهم فقد أحبّ اللَّه كما لا يخفى ، وهذه المحبة بما هي راجعة إلى مقام شهودهم عليهم السّلام له تعالى هو الأصل لمقام ولايتهم المطلقة التكوينية والتشريعية ، حيث إنهم بهذه الصفة فانون عن النفس وباقون باللَّه وبجميع أسمائه ، فهم مظاهر تلك الأسماء التي ملأت أركان كلّ شيء ، فهم متصرفون بتلك الأسماء في الكلّ تشريعا وتكوينا ، وقد تقدم بيانه مفصلا فراجع ، والحمد للَّه أولا وآخرا وظاهرا وباطنا . قوله عليه السّلام : والمخلصين في توحيد اللَّه . ففي المحكي عن المجلسي الأول رحمه اللَّه قال : فإن أقصى مراتب المحبة ينجرّ إلى أن لا يرى العارف إلا اللَّه ، فإنه لا يرى شيئا إلا ويرى اللَّه بعده في الابتداء ، ثم معه ثم قبله ثم لا يرى إلا اللَّه ، ويرى صفاته عين ذاته ، بل يرى جميع الذوات والصفات والأفعال متلاشية وفانية في ذاته وصفاته وأفعاله ، بل لا يرى فناءه أيضا كما قال : ما وحّد الواحد من واحد بل كلّ من وحّده جاحد وكتب العارفين مشحونة في بيان هذه المراتب ، والحقّ أنه لا يمكن بيانه ، ومن لم يذق لم يدر ، انتهى .